ابن حزم

32

رسائل ابن حزم الأندلسي

وينضم عليها القلب فلا ينفرج حتى يموت ، وربما ارتاح وتشوق للنظر أو رأى من يحب فجأة فتخرج نفسه فجأة دفعة واحدة " ( 1 ) . ولا يرى ابن داود بأسا في أن يقرن بين هذا التفسير الطبي في الحب ، وهو قائم على نظرية الطبائع والأخلاط ، متصل بالجسد اتصالاً وثيقاً ، غير معترف بأي دور للروح أو للنفس في مجال الحب وبين حديث آخرين عن النفوس - أو الأرواح - الكرية التي انقسمت " في مقر عالمها العلوي " ( حسب مفهوم ابن حزم ) دون أن يعلق على المفارقة القائمة بين النظريتين . وأسوا من ذلك صنيع إخوان الصفا ، فإنهم حشدوا جميع الآراء في نطاق ، فأوردوا قول من قال إن العشق جنون إلا وهي ( 2 ) - وهو رأي ذكره ابن داود نفسه ( 3 ) - وتحدثوا عن آراء الأطباء فيه ، حسبما جاء عند ابن داود ( 4 ) ، وهو رأي لم يلبث أن نسب إلى أفلاطون نفسه أيضاً ( 5 ) ، بل زاد إخوان الصفا زيادة في فهم الحب الجسدي اربت على كل شيء ساب ، وإن كان توجههم النهائي أفلوطينياً ، فزعموا أن العاشق والمعشوق إذا تباوسا وامتص كل واحد منهما ريق صاحبه وبلعه وصلت تلك الرطوبة إلى معدة كل واحد منهما وامتزجت مع سائر الرطوبات ، ثم وصلت إلى الكبد واختلطت بأجزاء الدم وانتشرت في العروق ، وأصبحت جزءاً من تكوين الجسد ، وإذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه اختلط ذلك مع الهواء المستنشق ، ووصل بعضه إلى مقدم الدماغ ، فاستلذ كل واحد ذلك التنسم ، أو وصل إلى الرئة ومن الرئة إلى القلب ، وأنتقل مع حركة النبض إلى سائر الجسد ، وأختلط بالدم واللحم ( 6 ) .

--> ( 1 ) الزهرة 1 : 17 . ( 2 ) رسائل 3 : 270 . ( 3 ) الزهرة : 15 ونسب إلى أفلاطون . ( 4 ) رسائل 3 : 271 . ( 5 ) أفلاطون في الإسلام ، نصوص جمعها وعلق عليها الدكتور عبد الرحمن بدوي ( تهران 1973 ) ص 252 ونقله أبن القيم في روضة المحبين : 137 ونسبه لبعض الفلاسفة . ( 6 ) رسائل 3 : 274 - 275 .